وهبة الزحيلي

187

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فَلَمَّا أَتاها أتى النار ، وجد نارا بيضاء تتقد في شجرة خضراء . فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي للتواضع والأدب . الْمُقَدَّسِ المطهر أو المبارك ، وهو تعليل للأمر باحترام البقعة . اخْتَرْتُكَ اصطفيتك للنبوة من قومك . لِما يُوحى إليك مني ، أو للوحي ، واللام تحتمل التعلق بكل من الفعلين . أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي دال على أن الأمر مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم ، والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل . وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي لتكون ذاكرا لي ، خصها بالذكر ، لما فيها من تذكر المعبود ، وشغل القلب واللسان بذكره ، وقيل : لذكر صلاتي ، لما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال فيما رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس : « من نام عن صلاة ، أو نسيها ، فليصلها إذا ذكرها » ، إن الله تعالى يقول : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ كائنة لا محالة . أَكادُ أُخْفِيها أبالغ في إخفائها ولا أظهرها بأن أقول : إنها آتية ، أو أريد إخفاء وقتها عن الناس ، ويظهر لهم قربها بعلاماتها . لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي لتجزى فيها كل نفس بما تسعى من خير أو شر . فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها لا يصرفنك عن الإيمان بها . هَواهُ ما تهواه نفسه في إنكارها . فَتَرْدى فتهلك إن صددت عنها . المناسبة : لما عظم الله تعالى حال القرآن وحال الرسول فيما كلفه به من التبليغ ، أتبع ذلك بما يقوي قلب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في الإبلاغ من ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود 11 / 120 ] . وبدأ بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة ، وتبليغ الرسالة ، والصبر على مقاساة الشدائد ، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل ، وكان موسى أشد الناس صبرا على تحمل مكاره قومه . وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة . التفسير والبيان : وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى أي وهل بلغك خبر موسى وقصته مع فرعون وملئه ، وكيف كان ابتداء الوحي إليه ، وتكليمه إياه ؟ وبدئ بالاستفهام لتثبيت الخبر ، وتقريره في نفس المخاطب ، فذلك أسلوب مؤثر في إلقاء الكلام العربي .